محمد بن جرير الطبري ( الشيعي )
مقدمة التحقيق 4
نوادر المعجزات
وينذرهم عواقب السيئات بما ينزل عليهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر يوم يقوم الناس لرب العالمين . وبما أن هذه الدعوات الإلهية إلى المعارف الغيبية لا تحتملها علومهم الحسية ، كما لا يحتملون مفاجأة الامر الجديد الذي يدعو إلى تغيير سلوك ما كانوا عليه ، ولا تطيق إمرة شخص عليهم - من بينهم - دون اختيارهم ، فكان على الرسالة السماوية أن تبرهن معجزة ظاهرة وآية باهرة ، حتى يكونوا على بينة من أمرهم في تصديق الرسول صلى الله عليه وآله بما أتاهم عن الله تعالى ، وينالوا جوابا لما يختلج في نفوسهم وتعارضه أفكارهم بقولهم : ( فات بآية إن كنت من الصادقين ) . فبعث - الله تعالى - أنبياء امناء إلى الأرض بالآيات البينات ، والمعجزات الباهرات ليعرفوا البشرية آفاق الرسالة السماوية ، ويبلغوهم المطالب النورانية ، ويدعوهم إلى عبادة الواحد الأحد ، ونبذ ما كانوا عليه من العبادات والتقاليد السقيمة البالية التي ورثوها . ومن الضروري أن رسالات الأنبياء لا تختص باثبات وجود الصانع الذي لا تتوقف معرفته على إتيان المعجز والبراهين ، لان الانسان السوي ذا الفطرة السليمة إذا نظر في آيات السماوات والأرضين وما بينهما من النبات والحيوان والانسان والماء والهواء وغيرها - خلقا ونظاما - يستدل بفطرته تلك على أن هذه كلها بقدرة حكيم قوي ، صانع عليم ، لا يقاس علمه وحكمته وقدرته بما يصنعه الانسان - . الذي خلق ضعيفا - مهما بلغ من درجات العلم والكمال فلا يكون إلا كما قال تعالى : " إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " وقوله : " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " . وبعد هذه النظرة الواقعية ، تنادي الفطرة مستنكرة ومتمثلة بما ذكره تعالى في محكم كتابه : " أفي الله شك فاطر السماوات والأرض " ثم تجيب : لا ، بل تسبح له ما في